المحكمة أم التحكيم

نناقش اليوم دعوى أقامتها شركة تطالب المحكمة بإلزام المدعى عليه بأداء مبلغ تبقّى في ذمته، مستندة إلى أنها تعاقدت مع المدعى عليه لإنجاز وصيانة فيلا مقابل ثلاثة ملايين درهم. من جهته، دفع المدعى عليه بعدم قبول الدعوى لوجود شرط بالعقد ينص على أن أي نزاع ينشأ بين الطرفين يحال إلى التحكيم، وعلى الرغم من أن الدعوى ثابتة بموجب بَينات مستندية، إلا أن المحكمة قضت بعدم قبولها استناداً إلى الشرط الموجود في العقد، وهو نص واضح وصريح يغل يد المحكمة عن نظر الدعوى ويخرجها من ولاية القضاء ويحيلها إلى التحكيم لحل أي خلاف. وتثير القضية مسائل عدة، سنُبينها تباعاً، أولاها موضوع التحكيم، الذي يعد أحد الطرق البديلة لحل النزاعات بعيداً عن أروقة المحاكم ويقصد به قانوناً الوسيلة التي ينظمها القانون ويتم من خلالها الفصل بحكم ملزم في نزاع بين طرفين أو أكثر بواسطة هيئة تحكيم بناء على اتفاق الأطراف، ومتى وجد نص صريح في العقد بالإحالة للتحكيم، فإن القانون يحترم اتفاقهم ويغل يد المحاكم عن نظر النزاع وقد يكون ذلك لرغبتهم بفي حل خلافاتهم بعيداً عن المحاكم للحفاظ على العلاقة التجارية أو لكون طبيعة العقد تستلزم مختصين في هذا المجال أو لعدم الرغبة في معرفة الغير للاتفاق، ومنع القانون الاتفاق على التحكيم في المسائل التي لا يجوز فيها الصلح مثل المسائل الجنائية والأحوال الشخصية على غرار تحديد الأهلية والرشد والطلاق والحضانة ونحوها. وما يميز التحكيم أن الحكم الصادر من هيئته يعتبر ملزماً لأطرافه وتكون له القوة التنفيذية ذاتها كما لو كان حكماً قضائياً، إلا أنه يشترط لتنفيذه الحصول على قرار للمصادقة عليه من المحكمة، كما يمتاز بأنه أسرع غالباً، وبه قدر من السرية ولكنه يؤخذ عليه أنه يفتقد ميزة مراجعة الأخطاء إن وجدت والتي يوفرها التقاضي في المحاكم على ثلاث درجات في الغالب الأعم، وهي الابتدائية والاستئناف والتمييز. المسألة الثانية هي ضرورة إطلاع الأطراف على العقد ودراسته دراسة متأنية قبل التوقيع عليه ويفضل استشارة ذوي الاختصاص وعرض العقد عليهم لكونهم الأقدر على معرفة ما يحفظ الحقوق بشرح مزايا العقد والتنبيه من المخاطر التي تكتنف بنوده، بحسبان أنه ومتى ما وقع الأطراف على العقد فذلك التوقيع يعني إرضاءهم بما نص عليه ولا يقبل منهم بعد ذلك محاولة التنصل من تبعاته بحجة عدم اطلاعهم عليه جيداً أو عدم فهمهم له. وأخيراً فإن توثيق التعامل والاتفاق كتابةً بالمستندات والمراسلات، ما أمكن، أدعى لحفظ الحقوق وذلك لكون المستندات تتحدث عن نفسها ولا تحتاج لشرح أو إسهاب وكم من حقوق ضاعت جراء الاكتفاء بالاتفاق الشفهي المفتقد للتوثيق في غياب شهود العيان.

2021-05-30