العقود 3- 3

نختم سلسلة مقالاتنا التي ابتدرناها في الأسبوعين الماضيين، والتي تطرقنا فيها للتعريف بالعقد من ناحية قانونية مبينين أركانه ودلفنا إلى ما يعنيه الإيجاب والقبول ثم انتقلنا لعرضٍ لمسألة السكوت ومدى اعتبارها تعبيراً عن الإرادة وعرّجنا إلى موضوع العربون والوعد بالتعاقد. قرر المشرع أن الأصل في كل شخص أنه أهل للتعاقد ما لم يكن هناك نص قانوني يسلب تلك الأهلية أو يحد منها، وقد تعرضنا في مقال سابق لمسألة الأهلية بإسهاب وتفصيل، ولا يكفي توافر الأهلية فحسب، بل لابد من توافر الرضا التام والاختيار وأن تسلم إرادة الشخص المتعاقد من الإكراه والتغرير والغبن والغلط، وسنفصّل المقصود بتلك المصطلحات القانونية. الإكراه هو إجبار الشخص بغير حق على أن يعمل عملاً دون رضاه، ويكون الإكراه ملجئاً أو غير ملجئ ويكون الإكراه مادياً أو معنوياً. فالإكراه يعتبر ملجئاً إذا كان تهديداً بخطر جسيم محدق يلحق بالنفس أو المال، أما إذا كان دون ذلك فيعد إكراهاً غير ملجئ، وقد اعتبر القانون التهديد بإيقاع ضرب بالوالدين أو الأولاد أو الزوج أو ذي رحم محرماً، والتهديد بخطر يخدش الشرف يعتبر من قبيل الإكراه ويتم تصنيفه بأنه ملجئ أو غير ملجئ بحسب كل حال. الإكراه يختلف باختلاف الأشخاص وسنهم وضعفهم ومناصبهم ودرجة تأثرهم وتألمهم من الإكراه شدة وضعفاً، والإكراه عادة يقصد منه تحقيق غرض غير مشروع. فالقاضي عندما يجبر المدين على تنفيذ الحكم الصادر بحقه فإن ذلك لا يعد إكراهاً معتبراً، بل إكراهاً شرعياً وبحق. وقد اشترط القانون للاعتداد بالإكراه أن يكون الشخص المكره (بكسر الراء) قادراً على إيقاع ما هدد به، وأن يغلب على ظن المكره (بفتح الراء) وقوع الإكراه عاجلاً إن لم يفعل ما أكره عليه، ومن تم إكراهه بأحد نوعي الإكراه على إبرام عقد فإن العقد لا ينفذ إلا إن أجازه المكره (بفتح الراء) أو ورثته بعد زوال الإكراه. أما التغرير فيقصد به خداع أحد المتعاقدين للآخر بوسائل احتيالية قولية أو فعلية تحمله على الرضا بما لم يكن ليرضى به بغيرها، ويعتبر السكوت عن واقعة أو ملابسة تغريراً إذا ثبت أن من غرر به ما كان ليبرم العقد لو علم بتلك الواقعة أو الملابسة. فالتدليس الإيجابي والسلبي يعد تغريراً ومتى تحقق أنه شاب العقد وأبرم بغبن فاحش جاز لمن غرر به فسخ العقد. والغبن الفاحش هو ما لا يدخل تحت تقويم المقومين من أهل الخبرة والاختصاص، وقد نص القانون على العقد لا يتم فسخه بالغبن الفاحش إلا إن ارتبط بالتغرير، واستثنى من ذلك مال المحجور ومال الوقف ومال الدولة. وأخيراً وليس آخراً، فإن الغلط يعرف بأنه حالة تقوم بالنفس تحمل على توهم غير الواقع بأن تكون هناك واقعة غير صحيحة يتوهم الإنسان صحتها أو واقعة صحيحة يتوهم عدم صحتها، فهو وهم يقوم في النفس فيصور الأشياء على غير حقيقتها، والقاعدة العامة في العقود أنه يعتد بالعبارة وليس بالنية، أي أنه لا يعتد بالغلط إذا كان أمراً باطنياً مستتراً في ضمير المتعاقد ويعتد به متى كان ظاهرياً، ويكون ذلك بإحدى ثلاث طرق: الأولى فيما تضمنته صيغة العقد فإن تم إيراد أوصاف المبيع إيراداً نافياً للجهالة ثم وجد المشتري المبيع بغير تلك الأوصاف فإن رضاءه بالعقد يكون مشوباً بالغلط. والثانية أن يتم استخلاص الإرادة ضمناً من الملابسات والظروف، فمن باع حجراً في سوق المجوهرات انصرف الذهن إلى أنه حجر كريم فإن تبين خلاف ذلك جاز للمشتري رده، وإن لم يشترط ذلك في العقد صراحةً. والثالثة أن يتم استخلاص الإرادة عن طريق الدلالة من طبيعة الأشياء أو من العرف، فطبيعة الأشياء تقتضي خلو المبيع من العيوب.

2021-05-17